باهر عبد العزيز
أمير العسيرى
لم يعد الأمن الاقتصادي في عالم اليوم مرتبطًا فقط بالموارد الطبيعية أو الاستقرار المالي، بل أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على أمن البنية الرقمية. فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد الهجمات السيبرانية عالميًا، دخل الاقتصاد الدولي مرحلة جديدة أصبحت فيها المخاطر الرقمية جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة المخاطر الاستراتيجية للدول والشركات على حد سواء.
في هذا السياق، أرى أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في قدرة الدول على الصمود أمام الأزمات، بل في قدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى فرص استراتيجية. هذا المفهوم يعبر عنه ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية الحديثة بمفهوم Anti-Fragile Systems، أي الأنظمة التي لا تكتفي بمقاومة الصدمات، بل تصبح أكثر قوة وقيمة كلما ارتفع مستوى الاضطراب وعدم اليقين في البيئة المحيطة بها.
الاقتصاد العالمي أصبح اقتصاد بيانات
خلال العقدين الأخيرين، تحول الاقتصاد العالمي تدريجيًا إلى اقتصاد يعتمد على البيانات. فالنظم المصرفية العالمية، ومنصات المدفوعات الرقمية، وشبكات التجارة الإلكترونية، وحتى الخدمات الحكومية، أصبحت جميعها تعمل عبر بنية رقمية معقدة تعتمد على تدفق البيانات بشكل مستمر دون انقطاع.
هذه الحقيقة تعني أن أي خلل في البنية الرقمية — سواء كان نتيجة هجوم سيبراني أو تعطل للبنية التحتية أو حتى توترات جيوسياسية — قد يؤدي إلى تعطّل أنشطة اقتصادية كاملة في غضون دقائق. ولذلك لم يعد تأمين البيانات مجرد قضية تقنية، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الاقتصادي القومي.
ومع تزايد هذه المخاطر، بدأت المؤسسات المالية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات في تبني استراتيجيات جديدة لإدارة المخاطر الرقمية، تقوم على إنشاء بنية رقمية احتياطية خارج حدودها الجغرافية لضمان استمرارية الأعمال في حال حدوث أزمات.
جغرافيا المخاطر الرقمية
أحد المفاهيم التي ظهرت في السنوات الأخيرة في هذا المجال هو مفهوم Digital Risk Geography، والذي يقوم على اختيار مواقع جغرافية أكثر أمانًا واستقرارًا لاستضافة البيانات وتشغيل الأنظمة في حالات الطوارئ.
فالشركات الكبرى لم تعد تفكر فقط في تكلفة تشغيل مراكز البيانات، بل أصبحت تضع في الاعتبار عوامل مثل الاستقرار الجيوسياسي، وتنوع مصادر الطاقة، وقرب الموقع من شبكات الكابلات البحرية، ومستوى الأمن السيبراني.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى مصر باعتبارها واحدة من أهم النقاط في الجغرافيا الرقمية العالمية. فموقعها الجغرافي الفريد يجعلها معبرًا رئيسيًا للكابلات البحرية التي تربط أوروبا بآسيا والخليج وإفريقيا، حيث تمر عبر الأراضي المصرية نسبة كبيرة من حركة الإنترنت العالمية.
لكن المفارقة أن القيمة الاقتصادية التي تحققها مصر من هذا الموقع ما زالت محدودة نسبيًا، إذ تتركز العوائد في رسوم مرور الكابلات وبعض خدمات الاتصالات الأساسية، بينما تكمن القيمة الاقتصادية الأعلى في استضافة البيانات وإدارة استمرارية الأنظمة المرتبطة بها.
من مراكز البيانات إلى “الملاذ الرقمي”
هنا تظهر فكرة ما يمكن تسميته Data Refuge Zones أو “مناطق الملاذ الرقمي”.
هذه المناطق لا تقتصر على استضافة مراكز بيانات تقليدية، بل تمثل منظومة متكاملة لإدارة المخاطر الرقمية.
فالفرق بين Data Center التقليدي وDigital Refuge Zone جوهري.
مركز البيانات هو منشأة تقنية لتخزين ومعالجة البيانات، وغالبًا ما يخدم سوقًا محلية أو إقليمية. أما الملاذ الرقمي فهو منظومة مصممة لضمان استمرار تشغيل الأنظمة حتى في ظل الأزمات الكبرى.
ويشمل ذلك تشغيل النسخ الاحتياطية للأنظمة، ومنصات التعافي من الكوارث (Disaster Recovery)، وأنظمة استمرارية الأعمال (Business Continuity)، إضافة إلى بنية متقدمة للأمن السيبراني.
بمعنى آخر، فإن مركز البيانات يمثل مشروعًا تقنيًا، بينما يمثل الملاذ الرقمي منصة جيو-اقتصادية لإدارة المخاطر الرقمية.
البنية الرقمية متعددة المواقع
اليوم تعتمد المؤسسات المالية العالمية الكبرى على ما يُعرف بنموذج Active-Active Infrastructure، حيث تعمل الأنظمة في أكثر من موقع جغرافي في الوقت نفسه. وفي حال تعطل أحد المواقع، يمكن تحويل العمليات فورًا إلى موقع بديل دون توقف الخدمة.
هذا النموذج يهدف إلى تقليل ما يُعرف بمخاطر Single Point of Failure، أي الاعتماد على موقع واحد لتشغيل الأنظمة الحيوية.
ومن هنا فإن الطلب العالمي على مواقع جغرافية بديلة وآمنة لتشغيل الأنظمة في حالات الطوارئ يشهد نموًا متسارعًا، وهو ما يفتح المجال أمام ظهور أسواق جديدة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
فرصة مصر الاستراتيجية
من وجهة نظري، تمتلك مصر مقومات فريدة تمكنها من التحول إلى أحد أهم المراكز العالمية لإدارة المخاطر الرقمية إذا تم التفكير في هذا الملف بمنظور استراتيجي.
فيمكن تصور إنشاء ما يمكن تسميته Digital Resilience Corridor أو “ممر المرونة الرقمية”، يمتد من السويس إلى العين السخنة مرورًا بالعاصمة الإدارية الجديدة وصولًا إلى الساحل الشمالي.
هذا الممر يمكن أن يضم مراكز بيانات فائقة السعة، ومنصات للتعافي من الكوارث، وبنية متقدمة للأمن السيبراني، مع اتصال مباشر بشبكات الكابلات البحرية ومصادر طاقة متنوعة تشمل الطاقة المتجددة لضمان التشغيل المستمر.
مثل هذا النموذج يمكن أن يخدم طيفًا واسعًا من العملاء الإقليميين والدوليين، بدءًا من البنوك الخليجية وشركات المدفوعات الرقمية، مرورًا بمنصات التجارة الإلكترونية العالمية، وصولًا إلى الحكومات الإفريقية وشركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى مواقع بديلة لتشغيل أنظمتها.
اقتصاد رقمي عالي القيمة
التحول إلى مركز إقليمي لإدارة المخاطر الرقمية يمكن أن يفتح الباب أمام نوع جديد من الصادرات الرقمية عالية القيمة.
فبدلًا من الاكتفاء بعوائد مرور الكابلات البحرية، يمكن لمصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لخدمات الحوسبة السحابية واستضافة البيانات والتعافي من الكوارث وإدارة البنية الرقمية.
كما يمكن لهذا القطاع أن يخلق آلاف الوظائف عالية المهارة في مجالات مثل الأمن السيبراني، وهندسة الحوسبة السحابية، وإدارة البنية التحتية الرقمية.
والأهم من ذلك أنه يمكن أن يعزز مستوى الأمن السيبراني الوطني من خلال بنية رقمية قوية تدعم القطاع المصرفي وأنظمة المدفوعات والخدمات الحكومية.
إعادة تعريف دور مصر الرقمي
في النهاية، أعتقد أن التحول الحقيقي لا يتعلق فقط ببناء المزيد من مراكز البيانات، بل بإعادة تعريف دور مصر في الاقتصاد الرقمي العالمي.
فبدلًا من أن تكون مجرد ممر جغرافي للكابلات البحرية، يمكن لمصر أن تتحول إلى ملاذ رقمي آمن (Digital Safe Haven) يوفر استمرارية تشغيل الأنظمة والبيانات في أوقات الأزمات.
وفي عالم تتزايد فيه الحروب السيبرانية والتوترات الجيوسياسية، قد تصبح القدرة على تشغيل الأنظمة خارج مناطق الخطر أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي العالمي.
ومن هنا، فإن تحويل الموقع الجغرافي لمصر إلى ميزة استراتيجية في إدارة المخاطر الرقمية قد يمثل أحد أهم الفرص الاقتصادية في العقد القادم، ليس فقط لتعزيز مكانة مصر في الاقتصاد الرقمي، بل لتحويل الاضطراب العالمي ذاته إلى مصدر للقوة والنمو.