د.عصمت رضوان

تعديل الصور بالذكاء الاصطناعي: ( نظرات في الحكم الشرعي)

السبت 17 يناير 2026 -05:19

   في الآونة الأخيرة برز الذكاء الاصطناعي وتقنياته العالية الدقة في كثير من ميادين العمل، وفي شتى جوانب الحياة  .
    ومن الأمور التي دخلها الذكاء الاصطناعي بشكل كبير مسألة تعديل الصور الفوتوغرافية ، تلك الظاهرة التي انتشرت انتشارا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي. 

   وإذا نظرنا إلى مسألة تعديل الصور الفوتوغرافية الخاصة بالإنسان عن طريق الذكاء الاصطناعي وما أشبهه كبرامج الفوتوشوب من منظور شرعي _ وجدنا أن هناك آراء لعدد من علماء الدين في هذا الشأن تحاول بيان الحكم الشرعي لها . 

وخلاصة ما ذهب إليه هؤلاء العلماء في هذا الشأن أن الحكم الشرعي لتعديل صور البشر الفوتوغرافية ينبغي النظر فيه إلى عدة أمور منها:

أولًا _أصل الحكم الشرعي للتصوير الفوتوغرافي .

ثانيًا _ هل هذا الصنيع يدخل في تغيير الخلقة المنهي عنه في الشرع ؟

ثالثًا _ هل الغرض من هذا التعديل هو مجرد التسلية ونحوها ، أو أن استخدامه في أمر من الأمور على سبيل الغش والخداع ؟

   أما عن الحكم الشرعي للتصوير الفوتوغرافي فإن التصوير الفوتوغرافي الذي يكون لضرورة أو مصلحة معتبرة كالصورة التي توضع في بطاقة تحقيق الشخصية،  أو جواز السفر،  أورخصة القيادة ونحو ذلك، أوتصوير الجرائم ومخالفات المرور  وما أشبه ذلك فهو جائز لوجود المصلحة والضرورة والحاجة ، ولأنه غير داخل في التجسيم المنهي عنه والذي فيه مضاهاة لخلق الله تعالى،  لأن المصور هنا يلتقط مشهدا للإنسان ، ولا يصنع مشهدا حيا غير موجود .

وأما التصوير الذي يترتب عليه مفسدة، أو يحصل به الحرام، أو يفضي إلى الحرام كتصوير الفساق والعرايا والعورات، وترويج الفواحش وما يؤدي إلى مفسدة، وما أشبه ذلك فلا شك في حرمته.

 وأما مسألة تغيير  الخلقة فقد دلت النصوص الشرعية على تحريم تغيير خلق الله ، وأخبرت بأن ذلك من أوامر الشيطان التي يضل بها الإنسان ، كما قال تعالى : ( وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا . لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا . وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ) النساء : ١١٧_ ١١٩ .

وعن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : ( لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ....).
لكن هذا الحكم خاص بتغيير خلقة الإنسان الحقيقية ، لا بتغيير صورته ، فلا ينطبق الحكم باللعن والتحريم على تعديل الصور ، لأنه ليس تغييرا في أصل الخلقة.
لكن هذا الأمر لا فائدة منه ، ولا طائل من ورائه ، بل هو داخل في العبث واللهو وتضييع الوقت الذي ينبغي للمسلم أن يترفع عنه ، فهو مطالب أن يستغل وقته في طاعة الله تعالى،  وفي الأعمال النافعة .

وأما عن الغرض من هذا التعديل فإن كان مجرد التسلية ونحوها ولا يترتب عليه مفسدة ، أو ضرر للغير فلا يصل الى الحرمة، بل تركه والترفع عنه أولى .
   أما إن استخدمه صاحبه في أمر من الأمور على سبيل الغش والخداع فهو حرام بلا شك،  كأن يرسل شخص صورته المعدلة إلى جهة تطلب وظيفة ، وتشترط حسن الهيئة والمنظر،  أو يرسل شخص مسافر صورته المعدلة_ على سبيل الغش والخديعة_ إلى امرأة يريد خطبتها ونحو ذلك فلا شك في حرمة هذا الأمر.
 
والله تعالى أعلى وأعلم.