في رحاب القرآن الكريم، تجلت أصواتٌ خاشعة تُمتع الأسماع، وتأسر القلوب، وتُذيب الأرواح، لكن قلما يجتمع الحسن والإجادة والروعة في صوتٍ واحد كما اجتمع ذلك كله في صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله.
هذا الرجل الذي لم يكن مجرد قارئٍ للقرآن، بل كان صوتًا سماويًا ينبض بالإيمان، وينطق بالجلال، فيُطرب القلوب بتلاوة تفيض بالخشوع والصدق، حتى بدا وكأنما يقرأ بقلبه قبل لسانه.
عندما يُذكر اسم الشيخ محمد صديق المنشاوي، تتداعى إلى الأذهان تلاواته التي تسري كالبلسم في النفس، حاملةً معها رهبة الخشوع، وعظمة الأداء.
لم يكن صوته مجرد تلاوة رائعة ، بل نافذة تُفتَح على السماء، لتنقل المستمع إلى عالمٍ من السكينة والطمأنينة والروحانية.
كان يمتلك موهبةً ربانية، تُجيد الغوص في أعماق المعاني، فتُترجمها تلاوةً توقظ القلوب الغافلة، وتدمع لها العيون الباكية.
في كل آيةٍ تلاها، كان الشيخ يبدع ويمتع ، فيُحيل المستمع إلى حالةٍ من التأمل والتبتل، وكأنما تُعانق روحه متن السحاب.
لم يكن صوته مجرد وسيلة للتلاوة، بل كان رسالة تحمل في طياتها معاني التوحيد والخشية والخضوع.
في صوت المنشاوي، اجتمعت حلاوة الأداء، وجلال المعنى، كأنما هو قيثارة الروح، ونبض الفؤاد.
كان يُتقن فن التلاوة بإحساسٍ عميق، يجعل كل حرفٍ يخرج من بين شفتيه متشحًا بجلال القرآن وروعته.
كان يُقيم الحروف في مواطنها ويخرجها من مخارجها، ويؤديها بصفاتها، ويتنقل بين المقامات الصوتية بخبرة المتقن العاشق لكتاب الله عزوجل.
إن أكثر ما ميز تلاوته هو ذلك الخشوع العميق، الذي لم يكن مجرد إحساسٍ يعتري المستمع، بل كان شيئا نابعا من قلب الشيخ ووجدانه، فقد كان يقرأ كمن يناجي الله في خلوةٍ لا يراه فيها أحد إلا الله تعالى، كان صوته يُعبّر عن معاني الآيات بصدقٍ يهز الوجدان، فيُبكي القلوب ويُضيء الأرواح.
لم يكن الشيخ مجرد قارئ يتلو، بل كان عاشقًا للقرآن يعيش معانيه، وينفث في كل حرفٍ من روحه وإيمانه، حتى بدا وكأنّ القرآن من ينطق به، لا هو من ينطق بالقرآن.
تجلَّى في تلاواته صدق العبودية لله عزوجل، حتى إنه كان يبكي وهو يقرأ، فيبكي معه كل من يستمع إليه.
كانت روحه الشفافة حاضرةً في كل آية، وكأنما القرآن ينساب من قلبه ليصل إلى قلوب الناس، فيتغلغل فيها بلا استئذان.
رغم أن الشيخ المنشاوي قد رحل عن عالمنا منذ سنوات طويلة ، إلا أن صوته لم ينقطع، ولا تزال تلاواته حاضرة في أرجاء العالم الإسلامي، إنها ميراث خالد، يذكرنا بأن الأصوات التي تُعانق السماء لا تُنسى، وأن من يتلو القرآن بقلبه، يترك أثرًا لا يمحوه الزمن.
كان الشيخ المنشاوي نموذجًا فريدًا لمن قرأ القرآن بصدقٍ يندر أن نجد له نظيرًا. كان صوته آيةً من آيات الجمال الرباني، وقيثارةً تتغنى بروعة الوحي الإلهي. كان وما زال صوتًا يُذَكِّرنا بعظمة هذا الكتاب الكريم، ويُرينا كيف يمكن لصوتٍ واحدٍ أن يُضيء الطريق للقلوب السائرة في ظلمات الحياة.
رحم الله الشيخ المنشاوي، وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء، وجعل تلاواته نورًا في دنيا العابرين وسكينةً في قبور المؤمنين.